دروس نتعلمها من حلقة هيا مرعشلي مع أنس بوخش: كيف تشفي الأوجاع القديمة بالقرب والغفران؟

 تمنحنا بعض اللقاءات الإعلامية أكثر من مجرد إطلالة للفنان، لتتحول إلى وثيقة إنسانية ونفسية تلامس قلوب آلاف المتابعين. هذا ما أحدثته الفنانة هيا مرعشلي خلال استضافتها في برنامج "ABtalks" مع الإعلامي أنس بوخش؛ حيث خاضت حواراً اتسم بالشجاعة والانكشاف الإنساني غير المألوف، مسلطة الضوء على تجارب الطفولة، الفقد، وتأثير الندوب القادمة من الماضي على تفاصيل الحاضر.

بين الضحك المنبعث من قلب الألم، ورحلة الغفران المفتوحة في اللحظات الأخيرة، تستخلص هذه الحلقة مجموعة من الدروس النفسية العميقة التي توضح كيف يبني الإنسان توازنه وسط تراكمات الظروف.



1. الضحك كآلية دفاعية: عندما يصبح التبسم حائط صد أمام الوجع

من أبرز اللقطات المؤثرة في الحوار هي ابتسام هيا مرعشلي المتبوعة أثناء سردها لأقسى محطات حياتها. لا تُعبر هذه الابتسامة عن تجاوز الأزمة أو الشعور بالسعادة، بل هي آلية دفاعية تلقائية يطورها العقل للحماية:

  • رفض استجداء العطف: يلجأ الشخص للتظاهر بالتماسك أو التبسم ليمنع دموعه من السقوط أمام الآخرين، محاولة منه للحفاظ على مساحته الخاصة وعدم إظهار الضعف.

  • امتصاص صدمة الألم: يسعى العقل إلى تخفيف وطأة الذكريات الثقيلة عبر إلباسها ثوب البساطة، تجنباً لغرق صاحبها في لحظة إعادة معايشة التروما (Trauma).



2. النضج والتسامح العالي: الرعاية بلا ضغينة ولا حقد

تركت الأم طفلتها بعمر الخمس سنوات، وعاشت هيا في أحضان جدتها لأبيها (التي كانت تلقبها بـ "ماما ناهد") وبجوار والدها الذي تكنّ له كل التقدير لعدم تخايله عنها. ورغم الغياب والأجوبة غير المكتملة، برز المعنى الحقيقي للنضج حين علمت هيا بمرض والدتها بالسرطان وهي في الثامنة عشرة من عمرها.

 كانت الأولوية المطلقة والعاطفية هي ألا تتعذب الأم في مرضها، وأن تجد الرعاية الطبية الكافية لنقلها إلى بيروت للعلاج وقضاء هذه الفترة من حياتها معها.

الدرس الأعمق هنا يكمن في إيصال السلام قبل الرحيل؛ حرصت هيا من أعماقها على أن تشعر والدتها بأنها لا تحمل تجاهها أي حقد أو ضغينة، بل تفهّمت أسبابها واستوعبت ظروفها، مما منح الأم طمأنينة قبل وفاتها، ورمم جزءاً كبيراً من روح هيا نفسها.



3. الذاكرة الأخيرة: الروابط الحقيقية تتجاوز سنوات البعد

في آخر أيامها، وعلى الرغم من فقدان الأم للذاكرة وعدم تذكرها حتى لأبنائها من زواجها الثاني، ظلت هيا هي الاسم الوحيد الحاضر في أفكارها وذاكرتها.

تثبت هذه التفصيلة الإنسانية أن الرابط الممتد بين الأم وطفلتها الأولى يظل محفوراً في مستويات عميقة من الوعي لا تمحوها الأزمات الصحبة. كانت تلك الذاكرة المتبقية بمثابة رد اعتبار معنوي ورسالة أمان بعد سنوات من الأسئلة والانتظار.


إقرأ أيضاً: باسل خياط في "قصتي" مع محمد قيس: صراحة استثنائية، خفايا المغادرة، وأسرار الاستقرار الزوجي!

4. أثر الندوب الأولى: الانفصال الناضج والحفاظ على الصداقة

أقرت هيا بصراحة بأن هذه التراكمات النفسية أثرت على نمط علاقاتها العاطفية اللاحقة؛ حيث خاضت تجربة زواج لم تستمر.

لكن الدرس المتجرد ظهر في كيفية إدارة نهاية هذه العلاقة؛ إذ تحول الانفصال إلى مساحة من الاحترام والصداقة الدائمة مع طليقها، تفادياً لإعادة إنتاج الصراعات، وإيماناً بأن النهاية الهادئة أرحم للروح من البقاء في مسار يفتقد الاستقرار.

5. الامتنان للموجودين: تقدير الأيادي التي رعت الرحلة

لم تترك هيا الفرصة دون إظهار امتنانها العميق لجدتها لأبيها "ماما ناهد" التي أخذت دور الأم كاملة ورعتها في صغرها، ولأبيها الذي ثبت وقدم الدعم الكامل ولم يتخلَّ عنها. يُعلمنا هذا الموقف ضرورة التركيز على الدعم المتاح بدلاً من الغرق في رثاء المفقود؛ فالذين يختارون البقاء والرعاية هم السند الحقيقي الذي يصنع توازن الفرد.

الخلاصة

حلقة هيا مرعشلي مع أنس بوخش لم تكن مجرد سرد لقصة شخصية، بل كانت مرآة لكل من يحمل ندوباً من الماضي. إنها تذكير بأن الشجاعة لا تعني التغافل عن الماضي، بل تعني القدرة على خطو خطوات نحو الغفران، وتفهّم أسباب الآخرين، وإعادة بناء الذات بوعي ونضج.

Comments

Popular posts from this blog

باسل خياط في "قصتي" مع محمد قيس: صراحة استثنائية، خفايا المغادرة، وأسرار الاستقرار الزوجي!

كيف تحولت ماريلين نعمان إلى حالة فنية فريدة؟

أن تكون لبنانياً: العيش في الجنة والجحيم معاً!