أن تكون لبنانياً: العيش في الجنة والجحيم معاً!

 أن تولد في لبنان، فأنت في حضرة الجنة والجحيم في نفس الوقت. قد يقول البعض ما هذه الجملة الافتتاحية التسويقية السلبية، لكنها ليست على قاعدة "الإعلان السيء هو إعلان جيد" بل على قاعدة تقبل الواقع والحقيقة.

أنت ولدت في بلد يتمنى الكثيرون أن يحملوا جنسيته؛ بلدٌ يمنحك الطبيعة في أبهى صورها، من الجبل الشامخ المطل على البحر، إلى الطقس الذي يبتسم لك معظم أوقات السنة. يعيش فيه شعبٌ يصنع الحياة من أبسط التفاصيل، شعبٌ يتقن فن الفرح، ويكرم الغريب قبل القريب، ويبحث عن الجمال وسط كل الركام. تجد فيه دفء العلاقات الصادقة، والسهر الذي يبعث الأمل، والضحكة التي تخرج من قلب كل بيت. إنه المكان الذي تشعر فيه بأنك متصل بالأرض، بالحياة، وبالإنسان في أعلى درجات طاقته ونشاطه.



أنت نشأت في وطن مليء بالأزمات والمحن التي تجعلك تخرج عن طورك، فتارة تعترف بكرهك له في العلن، ثم تبكي سراً لأنك مغرم به، وتارة تصلي لمغادرته كي ترتاح من عبء الصعوبات التي يفرضها عليك، لتكتشف بعد أن تغادره أنه لا يريد مغادرتك. هكذا يستفزك ليخرج أسوأ ما فيك من كلمات ثم يقتحم مشاعرك ويقف أمام قلبك ضاحكًا مبتسماً بسخرية منتصر فاجأ ضحيته التي ظنت أنه انهزم أمامها.




وعلى ذكر الانتصار، فلبنان مليء بالأطراف والقبائل على اختلاف انتماءاتها وطوائفها وأفكارها ومعتقداتها، وخمّن ماذا؟ جميعها منتصرة. كل طرف ينتصر على الآخر بالمكائد والأفخاخ والسجالات والشماتة. نعم نحن بلد يشمت شعبه ببعضه، فمثلاً ستجد من يشمت بطرف لأنه يُقصف من عدو البشرية جمعاء، وستجد طرف يشمت إذا أهان أحمق مجنون مسؤوليه وأذلهم. فيه أطراف لا تنتصر على بعضها فقط، بل تنتصر أيضاً على رغبتك في أن تعيش معهم تحت سقف واحد.


طبعاً هنا لا أكشف سراً ولا أفضح خبايا إدارة هذا البلد الخرافية، فمن شدة جمال وروعة التجربة السياسية اللبنانية تكاد لا تخلو محطة تلفزيونية شهيرة من أخبارنا، نحن نصدّر فن المستحيل الذي يدرّس في أروقة سياستنا، تجده منطبقاً على تفاصيل حياتنا اليومية. تجد المواطن ينشئ دولته الخاصة داخل بيته؛ يولّد الكهرباء بجهده، ويوفر الماء بعرقه، ويبتكر حله الخاص لكل أزمة تدير الدولة ظهرها لها. يعيش اللبناني حالة استثنائية من الاكتفاء الذاتي المجبول بالخيبة، يحمل على كتفيه أثقال بلد كامل، ثم يخرج في المساء بكامل أناقته يبتسم للحياة وكأن شيء لم يمسّ روحه.



هذا التناقض الصارخ هو ما يجعل المغادرة مجرد وهم جغرافياً. يبتعد الجسد وتظل الروح معلقة فوق تلك القمم الحجرية، تشاهد الشاشات بقلب يخفق خوفاً وشوقاً في آن واحد. تسافر إلى أقاصي الأرض لتكتشف أنك أخذت لبنان معك في حقيبتك؛ أخذت قلقه، وضجيجه، ودفء ناسه، وحسّه الفكاهي في أعتى الأوقات. تحاول الانتماء لمكان آخر، فتجد نفسك تقارن كل تفصيل صغير برائحة قهوة الصباح في حارتك القديمة.

إنها الحقيقة الشاخصة أمامنا جميعاً: لبنان يملك قدرة ساحرة على صهر المتناقضات. يجمع الفرح والوجع في كأس واحدة، ويجبرك على تجرع تفاصيلها كاملة دون تردد. قد نكون شعباً يتصارع في العلن، وتشطره السياسة إلى أجزاء، لكننا في العمق محكومون بأسطورة الفينيق؛ نسقط جميعاً معاً، وننهض من تحت هذا الركام معاً، لنعيد الكرة ذاتها بجنون أكبر وحب أعظم.





تلك هي الجنة وتلك هي الهاوية؛ خيارك الوحيد أن تقبل اللعبة كاملة، أن تعشق هذا الوطن بشرطه القاسي: أن يحرقك بجماله وقهره، ليعيد تشكيلك من جديد أكثر صلابة، وأكثر تمسكاً بالحياة.


Comments

Popular posts from this blog

باسل خياط في "قصتي" مع محمد قيس: صراحة استثنائية، خفايا المغادرة، وأسرار الاستقرار الزوجي!

كيف تحولت ماريلين نعمان إلى حالة فنية فريدة؟

لماذا تخاف "عبير الصغير" من الحريّة التي تعيشها.. ولا تريد لغيرها أن ينالها؟